حين جمعت المصاحف فى عهد سيدنا عثمان (رضي الله عنه) لم تكن منقوطة ولا مشكولة.. فكانت صورة الكلمة محتملة لكل ما يمكن من وجوه القراءات المختلفة وإلا كتبت القراءة ( التى لا تحتملها صورة الكلمة ) فى مصحف آخر.
وكان التعويل على الرواية والتلقي هو العمدة فى باب القراءة والقرآن فما كان من سيدنا عثمان (رضي الله عنه) حين بعث المصاحف إلى الآفاق إلا أن أرسل مع كل مصحف من يوافق قراءته فى الأكثر الأغلب.
وقد تمسك أهل كل قطر بما تلقوه سماعاً من الصحابي الذي أقرأهم وتركوا ما عداه, ولهذا ظهر الخلاف في القراءات.
إن عثمان رضي الله عنه حين بعث المصاحف إلى الآفاق أرسل مع كل مصحف من يوافق قراءته في الأكثر الأغلب وهذه القراءة قد تخالف الذائع الشائع في القطر الآخر عن طريق المبعوث الآخر بالمصحف الآخر.
ثم إن الصحابة رضوان الله عليهم قد اختلف أخذهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنهم من أخذ القرآن عنه بحرف واحد ومنهم من أخذه عنه بحرفين ومنهم من زاد. ثم تفرقوا في البلاد وهم على هذه الحال فاختلف بسبب ذلك أخذ التابعين عنهم وأخذ تابع التابعين عن التابعين وهلم جرا حتى وصل الأمر على هذا النحو إلى الأئمة القراء المشهورين الذين تخصصوا وانقطعوا للقراءات يضبطونها ويعنون بها وينشرونها كما يأتي: هذا منشأ علم القراءات واختلافها وإن كان الاختلاف يرجع في الواقع إلى أمور يسيرة بالنسبة إلى مواضع الاتفاق الكثيرة كما هو معلوم: لكنه – على كل حال- اختلاف في حدود السبعة الأحرف التي نزل عليها القرآن كلها من عند الله لا من عند الرسول e ولا أحد من القراء أو غيرهم.([1])
تعيين الخليفة عثمان بن عفان (رضي الله عنه) مقرئا خاصا لكل مصر من الأمصار التي بعث إليها بمصحف، وتوافق قراءته قراءة أهل المصر المرسل إليهم في الأكثر الأغلب، وقد كتبت المصاحف على وفق العرضة الأخيرة كما تقدم، والمشهور أن المصاحف التي أرسلها عثمان إلى الأمصار خمسة، وفي هذه المرحلة بدأ التمييز بين القراءات الصحيحة المعتبرة، والقراءات الآحادية والشاذة، وبدأت تنتشر الروايات الشاذة، وهذا التمييز أساسه التلقي وموافقة الرسم العثماني.
وقد أرسل عبد الله بن السائب المخزومي (ت في حدود 70 هـ) إلى مكة، وأبو عبد الرحمن السُّلَمي (ت 47 هـ) إلى الكوفة، وكان قبله ابن مسعود t حينما أرسله عمر ابن الخطاب (رضي الله عنه)، وعامر بن عبد قيس (حوالي 55 هـ) إلى البصرة، والمغيرة ابن أبي شهاب المخزومي (ت نيف وسبعين هـ) إلى الشام، وجعل زيد بن ثابت (ت 45 هـ) مقرئا في المدينة، وكان هذا في حدود سنة ثلاثين من الهجرة.([2])
([1]) مناهل العرفان في علوم القرآن (1/ 413)
([2]) مقدمات في علم القراءات (ص: 56)