الحكمة في نزول القرآن على سبعة أحرف

– تيسير القراءة والحفظ على الأمة الإسلامية؛ فقد كانت العرب قبائل متعددة، وكان بينها اختلاف وتباين في اللهجات واللغات وطريقة الأداء، فلو ألزمت الأمة بكيفية واحدة من كيفيات القراءة لشقّ ذلك على مجموع الأمة، وهو تحقيق لقول الله عز وجل : (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (22)) [القمر: ١٧].

عن أبي بن كعب (رضي الله عنه) أن النبي (ص) كان عند أضاة بني غفار قال: فأتاه جبريل u فقال: ((إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرف، فقال: أسال الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك، ثم أتاه الثانية فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرفين، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك، ثم جاءه الثالثة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف، فقال: أسال الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك، ثم جاءه الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف، فأيما حرف قرؤوا عليه فقد أصابوا)). ([1])

عن أبي بن كعب رضي الله عنه أيضاً قال: لقي رسول الله (ص) جبريل فقال: ((يا جبريل إني بعثت إلى أمة أميين، منهم العجوز والشيخ والغلام والجارية والرجل الذي لم يقرأ كتاباً قط)). قال: يا محمد إن القرآن أنزل على سبعة أحرف. ([2])

 

2- إعجاز القرآن في معانيه وأحكامه، فتقَلُّبُ الصور اللفظية في بعض الأحرف والكلمات فيه زيادة في المعنى، وفيه دلالة على الأحكام التي يستنبطها الفقهاء. كقراءة: «وَأَرْجُلَكُمْ» في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة: 6]، ففيها قراءتان صحيحتان:

القراءة الأولى: «وَأَرْجُلَكُمْ» بنصب اللام، وهي قراءة نافع وابن عامر وحفص والكسائي ويعقوب، وذلك عطفا على: «أَيْدِيَكُمْ»، فيكون حكمها الغسل كالوجه.

القراءة الثانية: «وَأَرْجُلِكُمْ» بخفض اللام، وهي قراءة الباقين، وذلك عطفا على: «بِرُؤُسِكُمْ» لفظا ومعنى، أي المسح على الخفين.

3- تُعَدُّ هذه الأحرف من خصائص هذه الأمة، ومن المناقب التي امتازت بها عن غيرها من الأمم؛ لأن كتب الأمم السابقة كانت تنزل على وجه واحد، وإنه من أعظم الخصائص لهذه الأمة أن الله عز وجل تكفّل بحفظ كتابها، وهو على خلاف كتب الأمم السابقة، فقد وكَّل الله تعالى حفظها لهم فحرّفوها وضيّعوها.

ويترتب عليه: أن الله تعالى تكفَّل بحفظ سائر الأحرف القرآنية التي أنزلها؛ لأن كل حرف منها بمنزلة الآية فضياع شيء منها واندثاره يعني أن بعض أبعاض القرآن ضاعت، أو اندثرت وهذا يتنافى مع مقتضى الحفظ الرباني للقرآن.([3]) قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)) [الحجر: ٩].

 

4- أن الأحرف السبعة حفظت لغة العرب من الضياع والاندثار، فقد تضمنت خلاصة ما في لغات القبائل العربية من فصيح وأفصح.

5- أن في الأحرف السبعة برهاناً واضحاً ودلالة قاطعة على صدق القرآن ، فمع كثرة وجوه الاختلاف والتنوع لم يتطرق إليه تضاد، ولا تناقض، ولا تخالف، بل كله يصدق بعضه بعضاً، ويبين بعضه بعضاً، ويشهد بعضه لبعض, على نمط واحد، وأسلوب واحد، وهذا دليل قاطع على أنه من عند الله عز وجل نزل على قلب النبي (ص). وكما قال تعالى: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82)) [النساء: ٨٢]

6-  ومنها إظهار فضل هذه الأمة على غيرها من الأمم؛ إذ لم ينزل كتاب سماوي على أمة إلا على وجه واحد، ونزل القرآن على سبعة أوجه، وفي هذه ما يدل على فضل هذه الأمة وخيريتها.

فإن انشغال أبناء الأمة الإسلامية في تدارس وحفظ القرآن والتمييز بين متشابهاته أمر مقصود ليبقى كل حافظ على اتصال بالقرآن الكريم وتعاهدٍ له، وكذا يقال بالنسبة للعناية بقراءاته وتتبعها وبيان وجوهها، فإن ذلك يؤدي إلى انشغال الأمة بتعلم القرآن وتعليمه وبذلك يستمر تعلقهم به قراءة وتدبراً وعملاً.

وعن عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه) قال : قال رسول الله (ص) : «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ» ([4]).

[1] ـ أخرجه مسلم (1/562 ، رقم 821) ، وأبو داود (2/76 ، رقم 1478) ، والنسائى (2/152 ، رقم 939). وأخرجه أيضًا : أحمد (5/127 ، رقم 21210) ، والطيالسى (ص 76 ، رقم 558).

[2] ـ أخرجه أحمد (5/132 ، رقم 21242) ، وابن حبان (3/14 ، رقم 739).

 

 ([3])د. عبد العزيز القارئ، حديث الأحرف السبعة وصلته بالقراءات القرآنية، ص 96.

 ([4])سنن الترمذي تحقيق, أحمد شاكر (5/ 175)