ورد عن النبي (ص) أنه قال: « إِنَّ هَذَا القُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ» ([1])
اختلف العلماء في المراد بالأحرف السبعة اختلافاً كثيراً, وذهبوا فيه مذاهب شتى, فقال البيهقي والداني صاحب التيسير وكذلك الصفاقسي في غيث النفع، والخليجي في حل المشكلات: أنها سبعة أوجه من اللغات العربية ، قال أبو عبيدة هي : قريش وهذيل وثقيف وهوازن وكنانة وتميم واليمن ، وقال غيره: خمس لغات في أكناف هوازن وهي : سعد وثقيف وكنانة وهذيل وقريش ولغتان على جميع ألسنة العرب.
والمذهب الذي جنح إليه كثير من العلماء هو مذهب الإمام أبي الفضل الرازي وهو: أن المراد بالأحرف السبعة الأوجه التي يقع بها التغاير والاختلاف, وهذه الأوجه لا تخرج عن سبعة وهي:
الأول: اختلاف الأسماء في الإفراد والتثنية والجمع, نحو: قوله تعالى:
(وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9)) [المؤمنون: ٩ ]. اختلف في لفظ (صَلَوَاتِهِمْ) قرأ الإفراد حمزة والكسائي وخلف العاشر, وقرأ بالجمع الباقون.
(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ) [الحجرات: ١٠]. اختلف في لفظ (أَخَوَيْكُمْ) قرأ بالجمع يعقوب (إِخْوَتِكُمْ)، وقرأ بالتثنية الباقون.
الثاني: اختلاف في وجوه الإعراب, نحو: قوله تعالى: (وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا) [الكهف: ٢٦]. قرأ بتاء الخطاب وجزم الكاف على أن لا ناهية ابن عامر الشامي, وقرأ بياء الغيب ورفع الكاف على أن لا نافية الباقون.
وقوله تعالى: (ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ) [النور: ٥٨]. قرأ شعبة وحمزة والكسائي وخلف لفظ (ثَلَاثُ ) بالنصب على أنه بدل من ثلاث مرات, وقرأ الباقون بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره هي أي الأوقات السابقة عورات لكم.
الثالث: اختلاف في تصريف الأفعال من ماضٍ ومضارع وأمر, نحو:
( قَالَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ ۗ) [الأنبياء: ١١٢]. قرأ حفص عن عاصم (قَالَ ) فعل ماضي, وقرأ الباقون (قُل) على أنه فعل أمر.
وقوله تعالى: (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ) [الأنبياء: ١٠٤]. قرأ أبو جعفر (تُطْوَى) على أنه فعل مضارع مبني للمجهول. و(السَّمَآءُ) بالرفع نائب فاعل, وقرأ الباقون (نَطْوِي ) فعل مضارع مبني للمعلوم, و(السَّمَاءَ) مفعول به.
الرابع: الاختلاف بالإبدال, أي جعل حرف مكان آخر, نحو:
(هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ ۚ) [يونس: ٣٠]. قرأ حمزة والكسائي وخلف (تَتْلُوا), وقرأ الباقون (تَبْلُو ).
وقوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا )[الحجرات: ٦]. قرأ حمزة والكسائي وخلف (فَتَـثَـبَّتُوا), وقرأ الباقون (فَتَبَيَّنُوا ).
الخامس: الاختلاف بالحذف والإثبات,نحو:
(وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ) [التوبة: ١٠٠]. وقرأ ابن كثير المكي بزيادة (مِن) (تَجْرِي مِن تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ)، وقرأ الباقون بحذفها.
وقوله تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ) [آل عمران: ١٣٣]. قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر بحذف الواو الأولى (سَارِعُوا )، وقرأ الباقون ( وَسَارِعُوا ).
السادس: الاختلاف بالتقديم والتأخير, نحو:
(وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ) [آل عمران: ١٩٥]. قرأ حمزة والكسائي وخلف (وَقَاتَلُوا وقَتَلوا) وقرأ الباقون (وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا) وشدد التاء ابن كثير وابن عامر ( وَقُتِّلِوا )
وقوله تعالى: (خِتَامُهُ مِسْكٌ ۚ) [المطففين: ٢٦]. قرأ الكسائي (خَاتَمُهُ مِسْكٌ) بتقديم الألف على التاء، وقرأ الباقون ( خِتَامُهُ ) بتأخير الألف.
السابع: الاختلاف في اللهجات, مثل: التسهيل والتحقيق, والفتح والإمالة, والمد والقصر, والإظهار والإدغام, والتفخيم والترقيق, والنقل والسكت.
وهكذا يدخل في اللهجات الكلمات التي اختلفت فيها لغة القبائل, نحو:
( الرُّعْبَ – الْبُيُوتَ – هـ – أُذُنُ – بِالْعُدْوَةِ – يَقْنَطُ – خُطُوَاتِ ) وغيرها.
([1])صحيح البخاري (6/ 185) صحيح مسلم (1/ 560) سنن أبي داود (2/ 76)